فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
المطالب بالدين إذا كان معسراً خائفاً من الحبس ، عاجزاً عن بينة الإعسار ، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة ، لأن قوله تعالى : * ( فإن خفتم ) * مطلق يتناول الكل . فإن قيل : قوله : * ( فرجالاً أو ركباناً ) * يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة . قلنا . هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعاً للضرر ، وهذا المعنى قائم ههنا ، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً والله أعلم . المسألة الرابعة : روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعاً ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ، والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع ، وفي السفر ركعتان سواء كان في الخوف أو لم يكن ، وأن قول ابن عباس متروك . أما قوله تعالى : * ( فإذا أمنتم ) * فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة * ( فاذكروا الله كما علمكم ) * وفيه قولان الأول : فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله : * ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) * ( البقرة : 238 ) وكما بينه بشروطه وأركانه ، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل ، والصلاة قد تسمى ذكراً لقوله تعالى : * ( فاسعوا إلى ذكر الله ) * ( الجمعة : 9 ) . والقول الثاني : * ( فاذكروا الله ) * أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن ، طعن القاضي في هذا القول وقال : إن هذا الذكر لما كان معلقاً بشرط مخصوص ، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعاً على حد واحد ، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر ، كما يلزم مع الأمن ، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة ، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى ، فالواجب حمل قوله تعالى : * ( فاذكروا الله ) * على ذكر يختص بهذه الحالة . والقول الثالث : أنه دخل تحت قوله : * ( فاذكروا الله ) * الصلاة والشكر جميعاً ، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها . أما قوله تعالى : * ( كما علمكم ) * فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف ، وأن ذلك من نعمه تعالى ، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك ، ثم إن أصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل ، وفعل الألطاف ، وقوله تعالى : * ( ما لم تكونوا تعلمون ) * إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة .